الثلاثاء 25 سبتمبر 2018
أخبار عاجلة

أبو الحسن العامري بين الإبصار والإسعاد والإنقاذ د زهير الخويلدي

" إن المخطور بالبال متى عرض على صريح العقل ، فإنه لا محالة يحكم فيه بأحد المعاني الثلاثة: إما بأنه واجب وجوده، أو بأنه ممكن وجوده أو بأنه ممتنع وجوده"

                أبو الحسن العامري – رسالة التقرير لأوجه التقدير-

ليس غريبا أن يكون أبو الحسن العمري فيلسوفا وهو الذي انتمى إلى القرن الرابع للهجرة الذي تم اعتباره من أفضل القرون على مستوى الإنتاج المعرفي والحركية الفكرية والمناظرات بين الأعلام،لكن الأغرب أن يتم تجاهل هذه الشخصية الفذة من طرف المؤرخين وأن يظل طي الكتمان وموضع نسيان.

لقد ولد العامري في مدينة نيسابور سنة 912 وتوفي خارجها سنة 991 وكانت له نظرة موسوعية للحقيقة بحيث درس العيد من الأشياء وترك العديد من الرسائل غفي مختلف المجالات وانطلق من دراسة النبات والمناظر ضمن العلوم الطبيعية وانتقل إلى الاهتمام بالمنطق والفلسفة وعلم النفس والإلهيات والأخلاق والتربية وتطرق إلى السيرة الإنسانية وتاريخ المناقب والعلماء واشتغل على تفسير القرآن وإنقاذ الناس من بعض الآراء الكلامية المضللة كالجبرية والقدرية ولم تمنعه مقارنته بين الأديان من التأليف في علم العقيدة وفصل الخطاب حول المعالم الإلهية وبيان الحكمة من الخلق الإلهي للكون وطرق تدبيره للعالم ولقد كانت أفضل كتبه ورسائله هي النسك العقلي والإبصار والمبصر والسعادة والإسعاد والأمد على الأبد والتقرير لأوجه التقدير وضمت الحكمة والشريعة والطبيعة والغيب والتربية والأخلاق والسياسة.

لقد تتلمذ فلسفيا على يد أبو زيد البلخي وتعلم العلوم والمعارف في مدن بلخ وطشقند وبخارى والري وخراسان ولقد عاصر الشيخ الرئيس ابن سينا واتصل بالوزير بن العميد الكاتب ونزل ببغداد سنة 364 هجري ولقد ذكره أبو حيان التوحيدي في روائع الإمتاع والمؤانسة والمقابسات واستشهد به مسكويه في تجارب الأمم وتعاقب الهمم ولقد ترك لنا ابن سينا كتابا هو الأجوبة على سؤالات سأل عنها العامري.

لقد ربط العامري التفكير الفلسفي بالإيمان الديني وجعل من الحكمة أخت الشريعة وأقر بأن طريق العقل هو طريق السعادة وانتبه إلى أن القوة العقلية لدي البشر لن تصلح لتدبير الحياة ما لم تستعين بالقوة الالهية.

إذا كان العامري قد تكلم في كتابه عن مناقب الدين الإسلامي عن العبادات والعقائد وأم البراهين على أصول التوحيد وتقديم الدليل والسياسة الشرعية وما تستلزمه من تربية للوجدان وإعداد للسلوك فإنه في رسالة الأمد على الأبد يتحدث عن الخيرات المطلقة والخيرات المقيدة وعن اطلاقية المعاني الروحانية ونسبية المعاني الجسمانية وعن الأشياء المطلوبة لذواتها والأشياء المطلوبة لجل تحقيق أغراض أخرى.

لقد وصف العامري بالمغبون والمجهول والمفترى عليه ربما لغياب النسق الفكري والمنهج العقلي عن أعماله ولخلطه بين الفلسفة والعقيدة ونقده الواضح للفلسفة اليونانية والتقليل من قيمتها بالمقارنة مع الحكمة المشرقية ولعنايته اللافتة بأصول الدين وابتعاده عن المغامرة السياسية وتمهيده الطريق لظهور ابن سينا.

ماهو هام في المجهود التوثيقي لتاريخ الحكمة التي قام به الآمدي هو ربطه ميلاد الفلسفة اليونانية بالفلسفة الشرقية والمصرية وتأكيده على الاتصال الذي تم على الصعيد المعرفي بين الحكماء الإغريق والمشارقة.

اللافت للنظر هو الشروح التي قام بها لمؤلفات أرسطو وخاصة ما تركه من مقاطع لكتاب السياسة الذي تعامل معه المؤرخون على أنه مفقود بل اعتباره من الكتب الأرسطية التي لم يتم ترجمتها أصلا للضاد. فمن أين استقى العامري أفكاره السياسة الأرسطية؟ هل من ترجمة عربية كانت موجودة أم ترجمة أخرى؟ والى مدى امتنع العرب عن ترجمة كتاب السياسات للمحافظة على نظام الحكم الموافق للدين الإسلامي كما يزعم بعض المستشرقين وخاصة شلومو بيناس والمختص في فلسفة الفارابي محسن مهدي1[1]؟ ألا يعد رأي عبد الرحمان بدوي قريبا من الصحة  بقوله وجود ترجمة للكتاب باللغة العربية ولكنها ضاعت؟

المرجع:

1-Rémi Brague, note sur la traduction arabe de la politique, in Aristote politique, études sur la politique d’Aristote, sous la direction de Pierre Aubenque, publiées par Alonso Tordesillas, Epiméthée PUF, Paris, 1993, p426.

عن dakirat

شاهد أيضاً

لماذا العنف؟... من وجهة نظر حَنّة أَرندَت

أضف تعليقاً