الثلاثاء 25 سبتمبر 2018
أخبار عاجلة

البعد الاستراتيجي لأزمة قضية الصحراء المغربية: إشكالية المناطق العازلة تدفع البوليساريو نحو النفق المسدودبقلم لطيفة نفيل صحافية ودكتورة باحثة متخصصة

تعيش قضية الصحراء طيلة الأشهر الأخيرة على إيقاع منعطف جيواستراتيجي خاص، يجعل القضية تصبح ذات ظرفية خصوصية إقليمية على مستوى منطقة شمال أفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط، كما يجعلها تسير بالقضية نحو مسارات مفتوحة على كثير من الاحتمالات .

وتعود أسباب الأزمة الجديدة التي انضافت الى تجليات القضية التي عمرت أزيد من أربعين سنة إلى عدد من العوامل والمعطيات التي جعلت خصوم الوحدة الترابية يسيرون نحو النفق المسدود لا محالة .

فما يحاول البوليساريو خلقه من قلاقل في منطقة تيفاريتي بير لحو وقبلها منطقة الكركارات الواقعة شرق جدار الدفاع الأمني المغربي في الصحراء المغربية، ما هو إلا تصاعد صوت صفارات الموت الكلينيكي للجبهة بعد أن وجدت نفسها محاصرة من جميع الواجهات الحقوقية والشرعية والقانونية والتاريخية بالشكل الذي جعل كيانها وهميا مائة بالمائة كيف لا وهي التي طالما ادعت أنها تشكل دولة قائمة بذاتها في حين أنها دائما وابدأ تجد نفسها محاصرة بادعاءاتها وغير قادرة على تحقيق أقولها وأوهامها على أرض الواقع .

فالبوليساريو اليوم تحاول أن تثبت نفسها كدولة على خارطة القارة وهو ما يدفعها نحو الانتحار البطيء أمام تنديدات المجتمع الدولي بأي خطوة تخطوها نحو المناطق العازلة المغربية وانكشاف أكذوبتها بكونها تقف على أراضي محررة متناسية أنها تقف أمام دولة ذات سيادة كاملة، دولة لها جذورها وشرعيتها التاريخية، وحدودها الدولية المتعارف عليها، وهي الدولة المغربية.

 بالشكل الذي يجعلنا نسير نحو نقاش جديد ومتفرد يتمثل في ما يمكن أن نطلق عليه بوسائل الضغط السياسي التي اعتمدها المغرب، كإستراتيجية هادفة لتطويق اختيارات الخصوم في خيار المبادرة المغربية، على اعتبار الارتياح الذي لقيه المشروع المغربي المتمثل في الحكم الذاتي لدى المنتظم الدولي، بالشكل الذي جعل جل مكونات المنتظم الدولي تميل للطرح المغربي الذي يجعل حل الصراع ينحصر في خيار الوحدة، وهو ما يضع جبهة البوليساريو تقف موقفا صعبا، يزيد من العراقيل التي يلقاها طرحها السياسي، الذي ينبني على فكرة تقرير المصير، كوجه من أوجه الانفصال.

 

وهو ما يجعل مجمل خيارات البوليساريو فاشلة طالما أنها تلجأ في كل خطواتها نحو منطق التهديد، بالرجوع إلى خيار الخيار العسكري.

الفشل الذي يعيشه الطرح الانفصالي لجبهة البوليساريو، وحلفتها الجزائر، يترجم اليوم بالمحاولات اليائسة المتمثلة في محاولات بناء منشات مدنية وعسكرية خلسة على الأراضي المغربية بالمناطق العازلة، بالشكل الذي جعل مقرارات هيئة الأمم المتحدة تقف حائلا دون تحقيق طموحاتها، وما أن انسحب حتى حاولت العودة بطريقة مختلفة لكنها لا تخفي نفس النوايا المنبوذة دوليا حيث عمدت جبهة البوليساريو، تنظيم ما أطلق عليه إعلامها باحتفالات تخليد الذكرى 45 لما أسمته ب "اندلاع الكفاح" في منطقة تيفاريتي، في تسمية من ضمن عشرات التسميات الواهية غير المعترف بها دوليا، وهذه المرة تحت ذريعة  نقل ما تسميه بـ"برلمانها" إلى المنطقة نفسها.

وهنا يمكن الاستنتاج أن البوليساريو تقف في دائرة فراغ تحاول من خلاله تكرار نفس الأخطاء وتقديم نفسها على كونها دولة ذات سيادة كاملة ولها برلمانها الوهمي متناسية كونها قد سبق وان أقدمت على نفس الخطوة وبطريقة مختلفة فقط في الزمان والمكان لاغير، وذلك  حينما اقتحمت منطقة الكركارات وجاء القرار 2414 الذي اعتمده مجلس الأمن الدولي، وطلب فيه من البوليساريو الانسحاب من منطقة الكركرات، وعدم القيام بأي خطوات قد تؤدي إلى تأجيج التوتر بين الطرفين، كما سار مجلس الأمن في ذات الإطار، وذلك من خلال  ما عبر عنه في الفقرة الثامنة من القرار، والتي أكد فيها عن قلقه إزاء إعلان البوليساريو نقل جزء من إدارتها إلى منطقة تيفاريتي، داعياً إياها إلى تجنّب اتخاذ أي خطوة من شأنها تهديد استقرار المنطقة.

بالشكل الذي يؤكد لا محالة أن الطرح الذي تنهجه البوليساريو مبني على أوهام فقط، حاولت من خلاله جهد إيمانها ذر الرماد في أعين المنتظم الدولي، لكن دون جدوى، لتجد نفسها في كل خطوة تعيش اصطداما مهينا أمام المنتظم الدولي.

وبذلك يمكن القول إن البعد الاستراتيجي للطرح المغربي حظي دائما والى اليوم بالقابلية للتطبيق، وبتقبل من الرأي العام الدولي لا سيما وأن استراتيجية الإقناع السياسي المغربي تستقي أسس برامجها، والحلول التي يتقدم بها الطرح المغربي من نماذج مماثلة دولية، عرفتها نقط أخرى من دول العالم، وطبقتها قبل ذلك دول عريقة في الديمقراطية، بالشكل الذي يجعل الطرف الآخر من أطراف النزاع، يعيش صعوبات تعترض مساره التفاوضي، بحكم تباعد موقف طرفي النزاع والتفاوض، وثقل ذكريات الماضي، غير المشجعة على بناء الثقة، وعدم حدوث تغيير كبير في موقف الجزائر، التي مكنتها في السابق عائدات النفط سابقا، والخروج من دوامة العنف الداخلي، من الاستمرار في تأييدها ودعمها لخيار الانفصال، وتمديدها لمعاناة ساكنة المخيمات، التي تعيش على وقع تناقص كمية المساعدات الدولية، جراء رفض جبهة البوليساريو والجزائر، قيام المنظمات الدولية ذات الاختصاص "المفوضية العليا للاجئين" بإحصاء ساكنة المخيمات وهو مطلب مغربي ودولي.

 

وبذلك تجد البوليساريو نفسها يوما بعد يوم قد فقدت الكثير من الدعم حتى من طرف أعتى مؤيديها،  وهي اليوم تشهد تهاويا لصرح أطروحتها الانفصالية، أمام المنتظم الدولي بالشكل الذي دعاها إلى محاولة الركوب على ميكانيزمات دولية جديدة، أو بالأحرى متجددة، كالصراع الإقليمي بالشرق الأوسط، بين القوى المتضادة، إيران والسعودية، بعد أن خسرت البوليساريو خيار الحفاظ على مكسب التفاوض، الذي حولته إلى "فرصة ضائعة"، مفضلة البقاء أسيرة تأويل تاريخي لمبدأ حق الشعب في تقرير مصيره، وقد تجد نفسها بعد حين قد أضاعت فرصة تاريخية ستسميها بعد فوات الأوان "حظوة مقترح الحكم الذاتي" بعد أن تتجاوزها الفرصة بآلاف الأميال .

على اعتبار أنه مقترح  يتيح إمكانية تدبير النخبة الطبيعية للمجال للشأن الجهوي، وإشرافها على البناء المؤسساتي لمنطقة الحكم الذاتي، في إطار مسار تطوير المبادرة، الذي يجب أن يهم أساسا التحديد الدقيق للمنطقة الجغرافية التي سيطبق عليها، وكذا الحسم في الساكنة المعنية بمؤسسات الحكم الذاتي، وهو خيار سيجعل منه المغرب خيارا مرتبطا في العمق بإرادة الدولة المغربية، وأيضا بتطورات الفضاء الدولي، ومدى رغبة الدول الفاعلة في التأثير والضغط لإيجاد حل لنزاع الصحراء، خصوصا، وأن نظرتها إلى النزاع بقيت وإلى حدود الآن محكومة إما بمنظور تاريخي، أو جيواستراتيجي، مكترث أساسا بمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.

بقلم لطيفة نفيل صحافية ودكتورة باحثة متخصصة في قضية الصحراء/ رئيسة المركز المغربي للدراسات والأبحاث في علوم الإعلام والتنمية.

عن dakirat

شاهد أيضاً

لماذا العنف؟... من وجهة نظر حَنّة أَرندَت

أضف تعليقاً