الثلاثاء 25 سبتمبر 2018
أخبار عاجلة

مهن رمضانية "الكرابة" ... من مقابل شربة ماء إلى صدقات شهر الصيام

تجدهم أينما ذهبت في الشارع والحافلة والأسواق، يستجدون عطف المارة بلباسهم التقليدي ذي الألوان الفاقعة يتأبطون قربا جف نبعها ونضب ماؤها، إنهم "الكرابة" الذين حولهم شهر الصيام إلى متسولين يستجدون عطف المارة هربا من عطالة شجعت على انتشار الظاهرة التي أصبحت لازمة حتى في فصل الصيف بل وفي باقي الشهور.

 

لطيفة نفيل

 

"موحا" واحد من "الكرابة" الذين يقصدون مدينة الدار البيضاء صباح كل يوم، يركب حافلة النقل العمومي القادمة من "مديونة"، وكله أمل في أن يجمع أكبر قدر ممكن من الدراهم، ليعود بها إلى زوجته وأطفاله في نهاية اليوم، حيث يحمل معه بعض الخبز وقليلا من الخضر التي يجود بها عليه الباعة داخل سوق "الجميعة" الواقع بمنطقة درب السلطان بمدينة الدار البيضاء، وعن رحلته اليومية مع مهنة الكرابة يقول:"راحنا غير كنترزقوا الله والمومنين ماكينساوناش وكلا ووجهو كيجودوا علينا بشي باراكة الله يقوي الخير". يحاول موحا من خلال حديثه البسيط عن مساره اليومي التعبير عن رضاه، فوجهه البشوش وإن كان الزمن قد حفر خطوطه عليه لا يخلو من ابتسامة دائمة تخرق المسافات مع الآخر وتجعل غالبية المارة وتجار السوق يقدمون له الصدقات، وعن ذلك يضيف قائلا:" لدي ثلاثة أطفال أصغرهم معاق، وزوجتي كانت تعمل في خدمة البيوت إلى أن رزقنا بابننا عبد الرحمان الذي اضطرها لملازمة البيت لتربيته والاعتناء به. ورغم بلوغه التسع سنوات إلا أن إعاقته تمنعه من الاعتناء بنفسه، وهكذا فقدت مساعدة زوجتي لي على إعالة أسرتي التي ينضاف إليها ثقل مصاريف علاج طفلي".

يعيش غالبية "الكرابة" حياة صعبة يطبعها الفقر وضيق الحال، فوضعهم الاجتماعي يجعلهم على الهامش بالرغم من التمييز الثقافي الذي يضفيه الكراب على وجه المغرب في عيون السياح الأجانب على وجه الخصوص، لكن عدم خضوع "الكرابة" لأي قانون وتشتتهم يجعل حقوقهم تضيع، إضافة إلى أن الغالبية العظمى منهم تهجر المهنة وتلجأ إلى مهن أخرى غيرها ويواصل موحا حديثه عن "الكرابة" قائلا:" بدأت بالعمل ككراب وعمري 46 سنة، فقد كنت أعمل فيما قبل "سقاء" أجلب الماء للمنازل التي تتوفر على ربط بشبكة الماء الصالح للشرب، وخاصة بالأحياء العشوائية، لكن حمل كميات كبرى من الماء طوال اليوم جعلني أصاب بمرض في ظهري وهو ما ألزمني الفراش لمدة طويلة، تماثلت بعدها للشفاء بعد أن حذرني الطبيب من مغبة حمل الأثقال مرة أخرى، وهكذا فكرت في مهنة أعيش بمدخولها، فلم أجد سوى فكرة أن أصبح "كرابا"، خاصة أنني لا أجيد أي عمل آخر، وهكذا عملت ككراب لأزيد من عشر سنوات، والحمد لله على كل حال".

ويواصل "موحا" حديثه عن وضعيته الاجتماعية قائلا "أسكن بأحد "الكاريانات" الواقعة بمديونة وأحمد الله على ذلك، فلم أجد أنسب منه لوضعيتي المالية، أمام ما أحصله يوميا وما تتطلبه مصاريف الحياة، وما أجمعه في اليوم ضعيف لتغطية ما أنا ملزم به من نفقات عيش لي ولأسرتي، هذا إضافة إلى مصاريف علاج طفلي، ولولا عطف المحسنين والتجار لما كان لي ما أعيل به أسرتي."

أما عن طبيعة العمل خلال شهر رمضان فيقول" خلال شهر رمضان لا شربة ماء سوى للأطفال الصغار، وغالبا ما أترك "القربة" فارغة، وأخرج لطلب مساعدة المحسنين على تحمل مصاريف شهر التوبة، والحق يقال فالمحسنون يعوضونني عن ثمن شربة ماء بحسنات وصدقات وفيرة، خاصة أن شهر رمضان هو شهر عبادة وتصدق وفعل الخير".

أما عن ليالي رمضان فيضيف موحا قائلا:"أعود للفطور مع زوجتي وأطفالي وغالبية السائقين لا يأخذون مني ثمن تذكرة الحافلة، كما أن الركاب بدورهم يجودون علي بصدقاتهم، وبعد الفطور مباشرة أقصد السوق وأقف قرب باب المسجد، حيث يخرج المصلون راغبين في شربة ماء وذر الصدقات".

رحلة موحا مع قربة الماء الفارغة نهارا والممتلئة ليلا يجعل من شهر رمضان شهرا مختلفا عن الحياة العادية لفئة الكرابة الذين يغيرون نمط حياتهم اليومي خلال شهر الصيام في محاولة للتأقلم مع طبيعة الشهر التي تجعل الليل أكثر حيوية من النهار.

 

عن dakirat

شاهد أيضاً

لماذا العنف؟... من وجهة نظر حَنّة أَرندَت

أضف تعليقاً