الخميس 15 نوفمبر 2018
أخبار عاجلة

لماذا العنف؟... من وجهة نظر حَنّة أَرندَت

*ياسين عتنا/ أستاذ الفلسفة وباحث في علم الاجتماع

 

ما فتئ الناظر في الأوضاع العالمية إلا ويرصد جملة من مظاهر العنف في الحياة الاجتماعية والسياسية، هذه الظاهر التي لازمت الحضور الإنساني طيلة سيرورته التاريخية، سواء تعلق الأمر بالحقل الديني أو الثقافي أو السياسي، هذا ما جعله محطة تفكير عميق، وفي تناول مجموعة من العلوم الاجتماعية والإنسانية.

اختلفت المقاربات الفكرية والمعرفية في تحليل هذه الظاهر الأنتربولوجية في الإنسان، بين القبول والرفض، بين الطبيعي أو الثقافي، بين الموجه والغير موجه. راصدة تارة أسبابها المباشرة وغير المباشرة وتارة أخرى مظاهرها و تجلياتها.

حاولت المفكرة الألمانية حَنّة أَرندَت المتخصصة في الفلسفة السياسية من موقعها، أن تواجه هذه الظاهرة المتفشية من وجهة نظر خاصة بها، حيث عملت على تقديم جملة من الأسئلة الجريئة حول الموضوع وجعله تحت مجهر تحليلي ونقدي. إذ تم تناول هذه الأفكار في عمل فكري وسمته بـ “في العنف”[1]. تتساءل في بدايته عن هذه الدينامية العالمية حول العنف، حيت تقول : كيف يمكننا أن ننتزع أنفسنا من عبثية فكرة العنف المتجسدة في انتشار الرغبة في التسلح وتطور تقنيات وآليات العنف؟

تجيب المفكرة السياسية الألمانية عن هذا السؤال من زاوية تحليلة، أنه من غير المنطقي أن نقول بأن هذا التطور في التقنية ووسائل الدمار في العالم، وخاصة في المجال العسكري توازيه نية حسنة. بل تعكس هذه الخطوات المحسوبة غاية موحدة حول فكرة قيام ميادين العنف/الحرب. في هذا المستوى تعد فكرة نزع السلاح التي يروج لها خرافية وأسطورة كونية. الأمر الذي يذكرنا بكيفية صناعة الإجماع حول فكرة الحرب الذي أشاد بها أفروم نعوم تشومسكي في كتابه “السيطرة على الإعلام”[2]؛ حيث كشف كيف عملت لجنة كاريل التي تأسست سنة 1917 على يد الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون (تضم جملة من المفكرين من بينهم جون ديوي )، من اجل تحويل المواطنين المسالمين إلى مواطنين تتملكهم الهستيريا والتعطش للحرب خلال ستة أشهر، بعدما كان شعاره الانتخابي “سلام بدون نصر”.

كما تقترح حَنّة أَرندَت سؤالين بسيطين على أبناء الجيل الحالي :  »كيف تريد للعالم أن يكون بعد خمسين سنة؟«  و »كيف تريد لحياتك أن تكون بعد خمسَة أعوام؟ « فإن الاجابة عنها في نظرها ستكون مسبوقة بعبارة ” شرط أن يبقى العالم قائماً” و ” أن أظل أنا على قيد الحياة”. هذا ما يؤكد أن الجيل الجديد الذي يعيش في هذا الكوسموس أكثر وعياً ودراية بحلول كارثة كونية، قد تؤدي به إلى الزوال أو في أحسن الحالات إلى حروب مزرية بشعة.

علاوة على هذا تسلط الضوء حَنّة أَرندَت على التغيرات الاجتماعية والاقتصادية و السياسية التي يعيشها العالم اليوم، والتي أدى به إلى الانخراط في سيرورة من التفككات، التي بدأت تظهر بشكل جلي في انهيار أجهزة الخدمات وارتفاع معدل الجرائم ومشاكل النقل والبيئة، بالإضافة إلى المنظومات الحزبية والاجتماعية التي كانت حديثة النشأة، وجاءت لخدمة الاحتياجات سياسية للجماهير الشعبية.

عرجت كذلك على العداء المتنامي للنزعات القومية الجديدة، إذ تقول “ففيما كان الشعور القومي في الماضي، ينحو إلى توحيد مختلف الجماعات العرقية، عبر تركيز مشاعرها السياسية على الأمة ككل، نلاحظ اليوم كيف أن “النزعة القومية” العرقية، قد بدأت تهدد الأمم-الدول القديمة بالتلف”[3].

ترفض المفكرة السياسية حَنّة أَرندَت أن تفسر علاقة السلطة بالعنف من الوجهة البيولوجية، والعمل بالإسقاطات الميكانيكية في الفكر، واعتبار السلطة ذات نزعة توسعية في طبيعتها. هذه النظرية البيولوجية للسلطة تقوم على أن طبيعة الموت والعنف ملازمة لاستمرار الحياة في عالم الحيوانات، وتعمل على وصم الإنسان بها، ومطابقتها على الحالات الاجتماعية للاجتماع البشري.

هذه التصور البيولوجي للسلطة ما هو إلا تحليل أيديولوجي يطمح إلى تبرير العنف الموجود والمنشأ (في ميادين الحرب)، الأمر الذي يؤكده السوسيولوجي الأمريكي هربرت شيلر في كتابه المتلاعبون بالعقول، إذ يوضح كيف يعمل الإعلام على صناعة جملة من الأساطير لدى الأفراد، التي أحصاها في خمس أساطير إعلامية، ومن بينها أسطورة الطبيعة الإنسانية الثابتة، مبررة من خلالها أن الإنسان عدواني بطبعه، و”يحاولون بذلك أن يقدموا للناس ما يحبونه، ثم يخبروننا، وهم يهزون أكتافهم بلا مبالاة، أن الطبيعة الإنسانية تتطلب-للأسف الشديد- ثماني عشرة ساعة يوميا من الإيذاء والقتل”[4].

تصل الفيلسوفة السياسية في نهاية كتابها “في العنف” إلى قاعدة أساسية تتمثل في أن التطور الذي يعيشه العالم لا نعرفه إلى أين سيقودنا، وأن مهمتنا أن نعرف إلى أين. كما تقر أن أي “انحطاط يصيب السلطة، إنما هو دعوة مفتوحة للعنف- ولو لمجرد أولئك الذين يقبضون على السلطة سواء أكانوا حاكمين أو محكومين، إذ يشعرون بأن هذه السلطة تفلت من بين أيديهم، يلاقون على الدوام أكبر قدر من الصعوبة دون مقاومة إغراء استبدال السلطة بالعنف”[5]. على ضوء هذه القاعدة الناتجة عن تأمل فلسفي وسياسي عميق تمكننا من فهم الوضع السياسي في جملة من الدول العربية والغربية والأزمات السياسية التي يتولد عنها العنف في كافة أنحاء العالم.

إن الفكرة التي يمكن أن نستخلصها من خلال التأمل في ظاهر العنف أن البدايات الأساسية لقيام العنف لدى الإنسان لا تتجسد في إلحاقه الأذى بالآخرين مادياً أو نفسياً أو اجتماعياً، لأن هذه الوضعية تعد نتائج فكرة العنف، وإنما تتجسد في بدايات تفكيره أنه الوحيد الذي يمتلك الحقيقة، وأن فكرته حول موضوع ما هي التي يجب أن تكون، ومنه تتحول هذه الفكرة إلى قنبلة موقوتة على شكل دوغما* فكرية ونفسية واجتماعية يجب الدفاع عنها بالطبيعة وبكافة الوسائل، وفي هذا المستوى يصبح إلحاق الأذى بالآخرين/العنف المعارضين أو المختلفين في الرؤية، المخرجات الموضوعية والمباشرة لإثبات صحة الفكرة.

 

 

[1]  حَنّة أرندت، في العنف، ترجمة إبراهيم العريسي، دار الساقي، الطبعة الثانية،2015.

[2]  نعوم تشومسكي، السيطرة على الإعلام : الإنجازات الهائلة للبروباجندا، تعريب أميمة عبد اللطيف، دار النشر مكتبة الشروق الدولية- القاهرة، الطبعة الأولى، 2003.

[3]  حَنّة أرندت (مرجع سابق)، ص 77.

[4] هربرت شيللر، المتلاعبون بالعقول، ترجمة عبد السلام رضوان، سلسلة عالم المعرفة، العدد 106، مارس 1999، ص 19-20.

[5]  حَنّة أرندت (مرجع سابق)، ص89.

*  لشرح كلمة دوغما في اللغة العربية فهي تعني الفكرة الجامدة والمُسَلَمة بدون تمحيص.

عن dakirat

شاهد أيضاً

غزةُ تستقطبُ الاهتمامَ وتستقبلُ الوفودَ والزوارَ بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

أضف تعليقاً