الاثنين 03 أكتوبر 2022
أخبار عاجلة

القول البليغ في التحذير من جماعة التبليغ بين البهتان والبركان

 تعتبر جماعة التبليغ والدعوة واحدة من أكبر -إن لم تكن كبرى الجماعات الدعوية الإسلامية في العالم- وهي أبرز نماذج ما يمكن أن يسمى جماعات أو حركات الدعوة الإسلامية، في مقابل ما يمكن أن يدعى حركات الدولة، حيث تهدف بشكل رئيس لدعوة الناس، أكثر من تركيزها على تغيير الأنظمة وإقامة الدولة الإسلامية.

ورغم عظم انتشار هذه الحركة وتعدد فروعها، حتى تكاد تكون السمة البارزة في مدن بعينها، بدءاً من “ميوات” حيث نشأت في الهند، إلى مدينة القصر الكبير في المغربأو مداشر جبال كتامة، إلى مدينة طموه، وما يقرب من 250 ألف عضو يخرج معها ويلتزم بمنهجها في مصر، إلى كاليفورنيا بالولايات المتحدة، إلى أكبر مسجد بنته الجماعة في شرق لندن… رغم كل ذلك إلا أنه تندر الدراسات الموضوعية حولها بشكل كبير، وأغلب ما كتب عنها يقع في دائرة السجال والاتهامات والردود، خاصة مع ندرة أدبيات الجماعة المعبرة عن منهجها بشكل كبير، فهي لا تنكر قلة وجود العلماء في صفوفها، كما لا تنكر أن أدواتها تربوية أكثر منها تعليمية أو فكرية.

كانت نشأة الجماعة هي الأسبق بين الحركات الإسلامية الأخرى، فقد نشأت على أرجح الأقوال سنة 1920 في الهند على يد الشيخ محمد إلياس، فقد سبق تأسيسها تأسيس جماعة الإخوان المسلمين بثمانية أعوام، ومنذ منتصف الأربعينيات من القرن الماضي توجهت هذه الجماعة للعالم الإسلامي، والخروج بجماعاتها في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، فبدأت بالمملكة العربية السعودية، بعد أن سمح لها الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود بذلك، وأجازها ودعى لدعمها الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، كما توجهت جماعاتها إلى مصر والشمال الإفريقي سنة 1951 والسودان سنة 1953، وتنشط الآن في مختلف أنحاء العالم، بلا استثناء، فهي موجودة في الصومال حيث الصراع بين الجماعات الإسلامية، تدعو الناس غير منشغلة بالسياسة ولا بالقتال، كما هي موجودة في سوات حيث الصراع بين الحكومة وطالبان باكستان، كما توجد في الغرب رغم الحرب على الإرهاب وتجفيف منابعه!

يتوجه التبليغيون للجميع بعيدا عن التحزب والتصنيف على أساس الخلاف الفقهي أوالمذهبي أو السياسي، حيث لا تتكلم جماعة التبليغ في أي من هذه الأمور، فهم لا يتكلمون في الفقهيات ولا في السياسيات ولا في أمراض الأمة، هذه لاءات التبليغ الثلاث، التي تتيح لها اتساعا وانفتاحا ليس معروفا عن الجماعات الإسلامية الأخرى، التي تقوم على التصنيف والتقييم ابتداء، وتركز في خطابها على التصنيف والتمييز بين الناس وفئاتهم ومذاهبهم بشكل كبير!

قد تكون جماعة التبليغ والدعوة أقل ضجيجا على المستوى النخبوي ومستوى الخطاب، بعدم وجود أدبيات جدلية واضحة لديها، ولكنها ليست أقل على مستوى الفعل والحضور المجتمعي، فهي جماعة شفاهية إن صح التعبير، وما تركه مؤسسوها -رغم ندرته- ليس أكثر من كتب في الرقائق والوعظ والأذكار، أكثر منه تأسيسا فكريا مستقلا ونقديا للتأسيسات الفكرية الإسلامية لدى الجماعات الأخرى. هكذا لا يمكن أن نرى كتباً كحياة الصحابة لأميرها الثاني محمد يوسف بن محمد إلياس، أو كتاب تبليغي نصاب أو ملفوظات محمد إلياس.

لم تشغل التبليغ الناس حيث نشأت، ولكن شغلتهم حيث خرجت، فقد استغلتها العديد من الجماعات الإسلامية الأخرى، ويبدو أنه أخذتها ستارا للتجنيد في أفكارها الانقلابية والمجابهة للأنظمة، بدأ هذا الانشغال مع قضية اغتيال السادات التي اتهمت فيها جماعة الجهاد المصرية سنة 1981، حيث ورد في التحقيقات أسماء بعض التبليغيين، والمتهمون في القضية كانوا يخرجون معها، مما حظر نشاطها فترة في مصر، وتم اعتقال زعيمها وداعيتها الأول في مصر الشيخ الراحل إبراهيم عزت بعض الوقت.

وهو ما تجدد بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر حيث تم القبض والكشف عن عدد من المنتمين للقاعدة من الغربيين الذين تحولوا للإسلام عن طريق جماعة التبليغ والدعوة، شأن الأميركي جون ولكر، وجون باديلا المعروف بانتحاري الحذاء، وزكريا موسوي، وغيرهم، وهو ما جعل عدداً من المراقبين الغربيين يدعون لحظر نشاط هذه الجماعة، التي تعتبر مفرخة للعنف الإسلامي والقاعدي!

أسئلة كثيرة يطرحها حول جماعة التبليغ والدعوة يطرحها ويناقشها كتاب المسبار الخامس والثلاثون حول جماعة التبليغ والدعوة، يبحث في نشأتها ومنهجها وسياقاتها ونشاطاتها، من الهند وباكستان إلى مصر والمغرب، إلى الخليج، يقرأ التحفظات عليها وحجج المدافعين المؤيدين لها، كما يقرأ ويحقق كثيرا من الدعاوى النقدية ضدها، سواء من قبل الدعاة والعلماء من الجماعات الأخرى، أو من قبل المهتمين والمراقبين لشأن الإسلام السياسي بشكل عام.

في البداية يقرأ هشام جعفر سياقات النشأة، والداعي لنشأة جماعة التبليغ في الهند على يد محمد إلياس، وكيف جاءت دعوتها موجهة للمسلمين في الهند، الذين ارتد عدد كبير منهم عن الإسلام، فيما سمى حينئذ بحركة تهنيد المسلمين، محاولا رد المسلمين لدينهم وإيقاظ الإيمان فيهم، كجزء فاعل من دورات الإصلاح الإسلامي في الهند، التي بدأها أمثال الشيخ أحمد بن عرفان الشهيد، والسيد أحمد السرهندي، وولي الله الدهلوي وغيرهم.

وتأتي دراسة هيثم الكسواني “جماعة التبليغ من الهند إلى العالم”، محاولة تقصي سياقاتها الخاصة كممثل وفاعل إسلامي قادم من شبه القارة الهندية، ومتوجه لمختلف أقطار العالم العربي، ويعرف الكسواني بأهم أفكارها ورموزها، وأهم الانتقادات لنشأتها وشيوخها، مع محاولة لقراءة مستقبلها وإمكانيات تأثيرها في فضاء الإسلام السياسي المعاصر.

ويقرأ عدنان الصوص في دراسته “فلسفة الدعوة عند التبليغ” طرائق ووسائل الدعوة عند جماعة التبليغ، التي تملك مصطلحات خاصة، لا تشاركها فيها غيرها من الجماعات، شأن الجولة والخروج وحلق التعليم والخدمة، محاولا توضيح فلسفة هذه الأدوات والتعريف الدقيق بكل منها.

هذا بينما تركز دراسة الدكتور خالد يايموت على دراسة جماعة التبليغ في المملكة المغربية، حيث تتخذ من مدينة القصر الكبير مركزا رئيسيا لها، وتعود جذور التكوين لبعض قيادات ومنظري الحركة الإسلامية المغربية إلى تربيهم في أحضانها منذ البداية، شأن الشيخ أحمد الريسوني، أول رئيس لحركة التوحيد والإصلاح، والفقيه المقاصدي المعروف الذي بدأ تبليغيا متحركا في صفوف التبليغ، ثم تركها لحركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية في شخص عبد السلام ياسين، يستقرئ الدكتور يايموت في دراسته واقع التبليغيين في المغرب، وأهم رموزهم وأدواتهم وموقفهم من الدولة، الذي يتبدى منذ البداية باستبدالهم تعبير”أمير التبليغ” بتعبير “المرشد” في قيادة الحركة لتفادي
الصدام مع النظام على مستوى الخطاب .

وتأتي دراسة محمد فرج حول “جماعة التبليغ في مصر”، تلك الجماعة الكبرى الملحوظة في الشارع المصري، والغائبة عن الجدل الدائم للنخب المصرية، رغم أن عدد أفرادها يقترب من ربع مليون فرد، يحاول فرج في دراسته التعريف بنشأة الجماعة في مصر، وأهم رموزها ومنهجها، وكذلك إشكالاتها ومراكزها، وأهم الانتقادات الموجهة لها من قبل الجماعات الإسلامية المصرية الأخرى أو غيرهم، وذلك من خلال عدد من المقابلات الميدانية مع أعضاء وافراد ينتمون للجماعة وغيرهم.

وتأتي دراسة الدكتور يوسف ربايعه بعنوان “جماعة التبليغ في الخليج: بيانات الأحباب في مواجهة التأصيل السلفي” مستقرئة نشاط التبليغ في أقطار الخليج العربي، وأهم الانتقادات السلفية الموجهة لها في منطقة الخليج، والتي يقسمها لمرحلتين: مرحلة ذات نشاط تبليغي جارف ومبهر، ثم مرحلة الانحسار نتيجة المد السلفي النقدي والاتهامي لهذه الجماعة على عدد من المستويات. حيث البون شاسعا.

وتأتي دراسة محمد العواودة لتناقش إشكالية جوهرية ومثيرة في آن واحد، وهي وضعية جماعة التبليغ في مجتمع مقاتل، حيث مدينة غزة، التي يرى الكاتب أنه لم يمكن اعتبار جماعة التبليغ هامشا في هذا الوضع والواقع، الذي تتزاحم فيه الحركات الإسلامية الجهادية الأخرى، ويرى العواودة أن تغير المزاج الاجتماعي العام في فلسطين واتجاهه نحو التدين، وتعاطفه مع الإسلام السياسي، واحتضانه للحركات الإسلامية المقاتلة ضد الاحتلال الإسرائيلي، كان له بالغ التأثير على موقع جماعة التبليغ، وساهم في إضعاف قاعدتها المجتمعية، حيث أصبحت الحركات التي تدافع الاحتلال وتتصدى له، هي المهيمنة على الشارع والمسجد الفلسطيني، والغزاوي منه بخاصة، والمستقطبة للجماهير الفلسطينية، والملهمة لها في النظر إلى المستقبل الفلسطيني.

ويقرأ مراد الشيشاني في دراسته: “التبليغ والموقف من الجماعات الأخرى” والتي يؤكد فيها على صعوبة استقراء موقف جماعة التبليغ والدعوة من الجماعات الإسلامية الأخرى، نظراً لعدة أسباب رئيسية هي منهج السرية المطلقة التي تتبعها الجماعة في شؤونها الداخلية، والمنهج الشفوي الذي تتبعه، ورفضها لأسلوب الكتابة والتدوين، و ميكانيزم التكيف الذي تتبعه الجماعة في علاقتها مع الجماعات الإسلامية الأخرى، ورفض الحديث مع الإعلام وإظهار الموقف السياسي. وهي الأسباب التي يفصلها الباحث في دراسته، محاولا اكتناه واكتشاف علاقة التبليغ بالجماعات الإسلامية الأخرى.

وتأتي دراسة محمد عمار بعنوان “النقد السلفي لجماعة التبليغ: بين الرفض والتوسط” والتي يستقرئ فيها الباحث مواقف وفتاوى علماء ورموز السلفية المعاصرة، شأن الشيوخ محمد بن إبراهيم وعبد العزيز بن باز وابن عثيمين رحمهم الله، والشيخ المحدث الراحل محمد ناصر الدين الألباني، وغيرهم من جماعة التبليغ، وكذلك عدد من علماء السلفية المعاصرين شأن الشيخ ابن جبرين وربيع المدخلي وأبو إسحاق الحويني، والتي يؤكد فيها الباحث أنه ليس هناك موقف سلفي واحد من جماعة التبليغ، وبينما أغرق بعضها في رفض هذه الجماعة وتحريم الخروج معها واتهامها في عقيدتها ومنهجها وسلوكها بالصوفية والقبورية والبدعية، بل واعتبارها فرقة خارجة عن الإسلام أحيانا، توسطت مواقف أخرى، وأكدت على إعذارها وإصلاحها، واعترفت بكثير من حسناتها في إصلاح الناس وهدايتهم، وهو ما يفسره الكاتب ويستقرؤه مناقشاً لأسباب وحجج كلا الموقفين: الرافض والمتوسط.

ثم تأتي دراسة عمر سميح نزال بعنوان “السياسة والجهاد والموقف من الاستعمار في فكر التبليغ”، والتي يكشف فيها الكاتب عن أن موقف التبليغ من السياسة والجهاد ليس يرجع لغير فقه الأولويات والمآلات، وأنها ليست ضد مفهوم الجهاد كما اتهمها منتقدوها، ولكنها تركز على إصلاح الفرد المسلم أكثر من عنايتهم بالقضايا الكبيرة للأمة في مجال السياسة أو مواجهة الاستعمار.

أما الباحث محمد أبوالخير، في دراسته بعنوان “بعد أحداث سبتمبر: التبليغ وإشكالية تفريخ العنف”، فيقرأ إشكالية مهمة، وهي علاقة جماعة التبليغ بالعنف الإسلامي، والذي صعدت شبهته بالخصوص بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، متتبعا سيرة شخصيات انتمت للتبليغ في بدايتها وانتهت للانضمام لهذه الجماعات، والمشاركة في بعض عملياتها، وهو ما يحاول الكاتب مناقشته ومناقشة حجج التبليغيين في الرد عليه، ويطرح حلاً وحيداً لإمكانية توقي اختراق هذه الجماعات العنفية لهذه الجماعة السلمية، عبر الإشراف الأمني عليها، وهو ما يحدث في بلد كمصر منذ قضية اغتيال السادات، حيث تودع الجماعة أسماء الخارجين معها، والمنتمين لها، لدى الأجهزة الأمنية بشكل مستمر.

وتأتي دراسة عرابي فاروق حول الداعية المصري إبراهيم عزت، الذي يعد رمز التبليغ في مصر، وواحداً من أشهر دعاة مصر في القرن العشرين، محاولاً تفسير تحوله عن الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، واختياره جماعة التبليغ والدعوة، وكذلك علاقاته وتاثيراته في فضاء الحركة الإسلامية المصرية ككل، حيث كان من تلامذته عبود الزمر وهاني السباعي، وغيرهم من قادة جماعة الجهاد، ويناقش الكاتب صحة صبغ إبراهيم عزت للتبليغيين في مصر أثناء قيادته للجماعة بصبغة سلفية، ومآل قيادة الجماعة في مصر بعده.

وفي خضم تجادب الأراء حول إعتبار جماعة الدعوة والتبليغ كقاعدة خلفية لإعداد المجاهدين بتربية سلوكية حتى ولوكانتفي جبال أفغانستان. ومدرسة لإعداد العملاء والجواسيس،وفضاء لتجارة المعادن النفيسة والسلاح،وأداة فعالة لترسيم المناطق الجيوإستراتيجية تحت غطاء دعوي يعتمد مبدأ التقية حتى في نشر بعض المعتقدات الشيعية.
والمتأمل في  تاريخ الحركة أن رزنامة المقاتلين المرحلين من المغرب كان مصدرها مراكز جماعة الدعوة والتبليغ .
حيث أنه بداية الثمانينات في المغرب  كانت تنتقل الحركة في القرى والبوادي وفي الأحياء الصفيحية  تحت غطاء دعوي شعاره الخروج في سبيل الله لإقتناص المتطوعين وشحنهم بضرورة إعتزال الدنيا  للسفر الى القواعد العسكرية لباكستان وآفغانستان من أجل إعدادهم  للموت شهداء حسب أدبياتهم.


والسؤال المطروح هل هناك سياسة إستراتيجية دينية وأمنية إستباقية لترصد المتطرفين منهم  ؟هل هناك برنامج إستباقي لإحتواء التحركات الميدانية المشبوهة  لرواد الحركة داخل المغرب ؟وكذا تقاطعاتها مع باقي الحركات الإصلاحية والدعوية المحلية والدولية سواء القادمة من الصحراء،أومن الجزائر،أو إيران أو غيرها؟
وهل هناك وعي مجتمعي للفاتورة التي أداها المغرب من تبعات  المتطرفين من هاته الحركة أو سيؤديها مستقبلا؟
وهل هناك معاهد للعلوم الإجتماعية متخصصة في دراسة الظواهرالدينية وإستثمار نتائجها بطريقة ذكية في إعداد كل البرامج عوض الإعتماد على دراسات مثناثرة هنا وهناك؟


عبدالرحمن مسرور بتصرف

عن

شاهد أيضاً

الإعصار القادم في الاقتصاد العالمي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *
من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

لن ينشر التعليق إلا بعد موافقة من الإدارة